ظل الحراز: علي منصور حسب الله
نواصل حديثنا حول الحركات المسلحة واليوم نتوقف عند واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً داخل المشهد الدارفوري والسوداني عموماً وهي قضية المحاباة وسياسة (قريبي وقريبك) وكيف تحولت معايير التقدير والتمثيل داخل بعض الحركات المسلحة إلى أزمة أخلاقية وسياسية وإنسانية تهدد فكرة العدالة نفسها وتضعف الثقة في المؤسسات التي يفترض أنها نشأت أصلاً للدفاع عن المظلومين وإنصاف المهمشين ونبدأ بتقييم أبطال معارك الفاشر تلك المعارك التي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة بل واحدة من أكثر المحطات قسوة وتعقيداً في تاريخ السودان الحديث حيث إمتزج فيها الصمود الإنساني بالمأساة وتداخلت فيها البطولة مع الإحساس العميق بالخذلان هنا نذكر المهندس عز الدين أحمد حسب الله (يور) خريج كلية الهندسة بجامعة الخرطوم وهو واحد من النماذج التي برزت خلال معارك الفاشر حيث قاتل بضراوة حتى اللحظات الأخيرة قبل وقوعه في الأسر ثم كتب له النجاة لاحقاً بعد تجربة قاسية تعكس حجم المأساة التي عاشتها المدينة وسكانها وخلال تلك المعارك أُصيب أكثر من مرة لكنه كان يعود في كل مرة أكثر قوة وإصراراً وشراسة وكأن الجراح كانت تزيده تمسكاً بفكرة الدفاع عن الناس والأرض والمدينة لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الرجل وبعد وصوله إلى بورتسودان ثم الخرطوم لم يجد التقدير اللائق أسوةً بغيره من أصحاب الحظوة والمقربين أسرياً أو تنظيمياً من قيادات الحركات المسلحة فقد منح رتبة نقيب غير أن ما أثار الجدل والتساؤلات أن الرتبة نفسها منحت لشخص آخر لم يخض ربع تجربة المهندس عز الدين يور ولم يعش ظروف الميدان القاسية بل إقتصر دوره على إرتداء البزة العسكرية وإطلاق التهديدات عبر المنابر الإعلامية ومنصات البث المباشر من مدن بعيدة عن خطوط النار وهنا تتجلى أزمة أعمق من مجرد منح رتبة أو تنظيم مراسم تكريم إنها أزمة تتعلق بمعايير الإعتراف بالتضحيات داخل هذه الحركات والتنظيمات المسلحة وبكيفية صناعة الرموز وتوزيع الأضواء والإمتيازات فحين يشعر المقاتل الذي واجه الموت أو المتطوع الذي تحمل الجوع والإصابة أو أسرة الشهيد التي دفعت أغلى ما تملك بأن حجم التقدير لا يتناسب مع حجم التضحية فإن ذلك يترك أثراً نفسياً ومعنوياً بالغ الخطورة ويفتح الباب أمام الإحباط وفقدان الثقة في عدالة المؤسسات التي يفترض أنها تمثلهم ومن بين الأسماء التي تستحق الوقوف عندها أيضًا الأستاذ جار النبي حسن الحاج مراسل قناة الزرقاء من الفاشر الذي ظل ينقل الأخبار من قلب الأحداث في ظروف بالغة الخطورة بينما كانت القذائف والحصار والجوع يفتكون بالمدينة ولم يكن دوره مجرد عمل صحفي تقليدي بل تجاوز ذلك إلى المشاركة في مواراة جثامين الشهداء ومساندة الأهالي وتقديم العون الممكن للمدنيين في أحلك الظروف قبل أن يقع أسيراً لعدة أشهر في سجون مليشيا الدعم السريع عقب سقوط المدينة وهذه التجربة وحدها تكفي لتوضيح أن معركة الفاشر لم تكن مواجهة عسكرية تقليدية بين طرفين وإنما كانت إختباراً قاسياً لصمود مجتمع بأكمله فقد شارك في معركة البقاء داخل الفاشر المقاتل والطبيب والإعلامي والمتطوع وأصحاب التكايا والعاملون في مراكز الإيواء وكل من حاول أن يمنع إنهيار الحياة داخل مدينة أنهكها الحصار والاستهداف المستمر وفي هذا السياق يبرز اسم مالك شمو صبر ورفاقه من أبطال معسكر زمزم وتكايا الفاشر الذين أدوا أدواراً إنسانية ووطنية إستثنائية في ظروف بالغة القسوة ومع ذلك لم يحظوا بالاهتمام الذي يتناسب مع حجم ما قدموه واليوم يكتب الأستاذ مالك شمو منتقداً مثل هذه الإختلالات وهو إنتقاد مشروع يعكس شعور قطاع واسع من الناس بأن التضحيات تقيم أحياناً بمعايير النفوذ لا بمعايير الفعل الحقيقي على الأرض وكذلك نشير إلى الكمرد عبد العظيم بوب الذي جاء إلى بورتسودان مصاباً ثم ذهب إلى الخرطوم دون أن يجد أي عناية تذكر ومعه عدد من جرحى الفاشر الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة الإهمال بعد أن كانوا في الصفوف الأمامية للمعركة فالمعركة لم تكن معركة سلاح فقط بل كانت أيضاً معركة إنسانية وأخلاقية معركة من أجل إطعام الجائعين وإسعاف الجرحى وإيواء النازحين ودفن الضحايا والحفاظ على الحد الأدنى من تماسك المجتمع ولذلك فإن إختزال مشهد الصمود في أسماء محددة أو وجوه بعينها يعد ظلماً لتجربة جماعية شارك فيها آلاف الأشخاص الذين عملوا بصمت بعيداً عن عدسات الكاميرات ومنصات البث المباشر الحروب لا يصنعها أصحاب (اللايفات) وحدهم مع الإعتراف بدور الإعلام والتوثيق وأهميتهما وإنما يصنعها أيضاً أولئك الذين بقوا في الميدان حين غادر الآخرون وتحملوا الجوع والخوف والموت دون إنتظار مقابل أو بحث عن شهرة أو مكافأة وكثير من الذين صمدوا في الفاشر لم يكونوا أصحاب نفوذ ولا يمتلكون حضوراً إعلامياً لكنهم كانوا أصحاب مواقف حقيقية دفعت ثمنها أجسادهم وأسرهم ومستقبلهم إن الإنتقادات التي توجه لكل من يطالب بإنصاف هؤلاء الأبطال تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بثقافة التقدير داخل بعض الحركات والتنظيمات المسلحة فهناك من يرى أن الاهتمام بات يميل أحياناً إلى الشخصيات الأقرب تنظيمياً أو اجتماعياً إلى دوائر القيادة بينما يتم تجاهل شخصيات دفعت أثماناً باهظة على الأرض وتبرز هذه الإنتقائية بصورة أوضح في مشاهد الإستقبال والتكريم حيث يتم الإحتفاء ببعض القادمين من الفاشر في حين يمر آخرون بصمت رغم أن بعضهم قضى شهوراً في الأسر أو شارك في الدفاع عن المدنيين أو أسهم في إنقاذ الأرواح خلال الحصار وهذا ما يخلق حالة من الإحباط لدى كثيرين يشعرون بأن التضحيات لم تعد تقاس بحجم أثرها الحقيقي بل بمدى القرب من مراكز النفوذ أو القدرة على الحضور الإعلامي والخطر هنا لا يقتصر على الجانب المعنوي فقط بل يمتد إلى تهديد الذاكرة الجماعية نفسها لأن التاريخ حين يكتب بصورة إنتقائية فإنه يتحول إلى رواية ناقصة تُقصي من صنعوا الأحداث فعلياً وتبرز فقط من امتلكوا أدوات الظهور ولا شك أن قادة الحركات المسلحة ومن بينهم مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم وغيرهما من القيادات التي تتحدث باسم إقليم دارفور يواجهون تعقيدات سياسية وتنظيمية وعسكرية كبيرة في هذه المرحلة لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى مراجعة جادة لمفهوم الوفاء والإعتراف بالتضحيات فالمعركة التي خاضتها الفاشر لا تخص فصيلاً بعينه بل تمثل واحدة من أكثر المحطات مأساوية وصلابة في تاريخ السودان الحديث ومن الواجب أن ينصف فيها الجميع دون تمييز لأن العدالة المعنوية ليست ترفاً سياسياً وإنما شرط أساسي لبناء أي مشروع وطني يحترم الإنسان وتضحياته إن الإنصاف الحقيقي لا يتحقق بمنح الرتب أو تنظيم الإستقبالات فحسب وإنما يبدأ بتوثيق تضحيات كل من شاركوا في الصمود والإعتراف بالأدوار المختلفة التي أُديت خلال الحرب سواء كانت بالسلاح أو بالكلمة أو بالعمل الإنساني كما يتطلب إنشاء ذاكرة وطنية عادلة تحفظ أسماء الشهداء والأسرى والمفقودين والمتطوعين وتعيد الإعتبار لأولئك الذين عملوا بصمت بعيداً عن الأضواء فالتاريخ لا يكتب بالصور التذكارية وحدها بل يكتب بدماء المقاتلين وصبر الأسرى وشجاعة الإعلاميين وصمت المتطوعين الذين حملوا عبء المدينة في أصعب أيامها وإذا كانت الفاشر قد صمدت طويلاً فإن ذلك لم يكن بفضل جهة واحدة أو أسماء محددة بل بفضل رجال ونساء مجهولين في الغالب لم يجدوا كاميرات توثقهم لكنهم تركوا أثراً لن يمحوه الزمن وربما تكون أخطر خسائر الحروب ليست فقط في عدد القتلى والدمار وإنما في الطريقة التي توزع بها الذاكرة بعد إنتهاء المعركة فمن ينصفه التاريخ ليس دائماً من ضحى أكثر بل أحياناً من امتلك المنصة الأعلى صوتاً ولهذا فإن العدالة المعنوية تبقى جزءاً أصيلاً من أي مشروع وطني حقيقي لأنها وحدها القادرة على حفظ كرامة الذين دفعوا الثمن ومنع تكرار الإحساس بالخذلان لدى أولئك الذين وقفوا في الصفوف الأمامية دفاعاً عن الناس والوطن كما أن استمرار ثقافة التمييز داخل الحركات المسلحة يهدد بتحويل فكرة النضال نفسها إلى وسيلة لإعادة إنتاج الإمتيازات القديمة بصورة جديدة حيث يصبح القرب من القيادة أو الإنتماء الأسري والتنظيمي أهم من التضحية والكفاءة والإستحقاق وهذه واحدة من أخطر الإشكالات التي واجهت كثيراً من تجارب الحركات المسلحة في أفريقيا والعالم العربي حين تحولت شعارات العدالة والتمثيل إلى أدوات لإنتاج نخب جديدة تحتكر القرار والامتيازات إن دارفور ليست ملكاً لأحد ولا يمكن إختزالها في فصيل أو حركة أو مجموعة محددة كما أن التحدث باسم أهلها لا يمنح أي جهة حق احتكار الحقيقة أو توزيع الوطنية وفقًا لمعايير الولاء السياسي والتنظيمي فدارفور التي دفعت هذا الثمن الباهظ من الدماء والتشريد والجوع تستحق مشروعاً أخلاقياً وإنسانياً أكبر من الحسابات الضيقة والصراعات الشخصية ولعل من أهم الدروس التي ينبغي التوقف عندها أن المجتمعات لا تتعافى بعد الحروب بالخطابات وحدها وإنما بالعدالة والإعتراف والإنصاف فحين يشعر الناس بأن تضحياتهم قد حفظت وكرامتهم قد صونت يصبح تجاوز آثار الحرب ممكناً أما حين يشعرون بأنهم استخدموا ثم جرى تجاهلهم بعد إنتهاء الحاجة إليهم فإن ذلك يترك جروحاً أعمق من جراح المعارك نفسها إن الفاشر لم تكن مجرد مدينة محاصرة بل كانت رمزاً لصمود مجتمع كامل في مواجهة الإنهيار ولهذا فإن الوفاء الحقيقي لها لا يكون فقط بترديد الشعارات وإنما بإنصاف من حملوا عبء تلك الأيام الثقيلة مهما كانت مواقعهم أو إنتماءاتهم أو قدرتهم على الظهور الإعلامي
نواصل…



