ضل الحراز : علي منصور حسب الله
وتاني قام زول جميل رحل ونظل في كل صباح نكتب ونودع احبابنا ومع ان الموت حق ولا نعترض عليه إلا آن الفراق يظل مؤلم رحل عنا العزيز جداً يوسف سراج الدين يكن يوسف اسماً ولا علماً فقط بقدر ما كان صرحاً شامخاً يمثل ركناً اساسياً في مسيرة الصحافة السودانية ففي صباحٍ مثقلٍ بالحزن ومساءٍ انطفأت فيه بعض مصابيح المهنة والإنسانية رحل أخي الصحفي يوسف سراج الدين ورحلت معه رفيقة دربه في حادثٍ مروريٍ موجع بمدينة أبو ظبي وكأن الموت أراد أن يختطف قلبين عاشا معاً فسارا معاً إلى الرحيل الأخير أي الكلمات تستطيع أن تحمل هذا القدر من الفقد؟ وأي لغة تملك القدرة على وصف الفراغ الذي يتركه رجل مثل يوسف سراج الدين؟ لقد عرفت الرجل عن قرب لا من وراء المكاتب والعناوين فقط بل من خلال الأيام الثقيلة التي تكشف معادن البشر الحقيقية عملت معه في صحيفة الوطن حين كان مديراً للتحرير ثم رئيساً للتحرير لكنه لم يكن يوماً مجرد مسؤولٍ إداري أو صحفي يجلس خلف مكتب كان أخاً كبيراً وصديقاً حقيقياً وإنساناً نادراً تمشي الأخلاق على قدميه
كان يوسف من أولئك الذين يدخلون المكان فيزرعون فيه الطمأنينة هادئاً بلا تكلف مهذباً بلا تصنع قريباً من الجميع دون حواجز لم يكن يرفع صوته ليثبت حضوره فحضوره كان يشبه الضوء تشعر به دون أن يضج كان يحمل قلباً واسعاً يتسع للناس جميعاً ويملك قدرة عجيبة على إحتواء الآخرين خصوصاً الصحفيين الجدد الذين كانوا يجدون فيه الأب والمعلم والسند في عالم الصحافة القاسي حيث تتآكل الأرواح تحت ضغط المهنة ظل يوسف سراج الدين محتفظاً بنقائه الإنساني لم أعرفه يوماً مؤذياً ولا صاحب خصومة ولا ممن يتلذذون بكسر الآخرين أو التقليل منهم كان يؤمن أن الكلمة مسؤولية وأن الصحافة أخلاق قبل أن تكون مهنة وأن احترام الناس جزء من احترام الذات كم من مرة رأيناه يبتسم في وجه من يختلف معه ويمنح الفرص لمن أخطأ ويطفئ حرائق الغضب بحكمة الكبار ! وكم من صحفيٍ شاب وجد منه التشجيع حين كان العالم كله يبخل عليه بكلمة تقدير ! لم يكن يوسف يبحث عن الأضواء لذلك أحبه الناس بصدق بعض البشر يرحلون فتكتشف أنهم كانوا يملؤون المساحات من حولك دفئاً وطمأنينة دون أن تشعر حتى إذا غابوا برد المكان فجأة وهذا ما نشعر به اليوم إن وأكثر ما يوجع في هذا الرحيل ليس فقط قسوته بل مباغتته أيضاً كيف يمكن للإنسان أن يصدق أن شخصاً مثل يوسف ترك الدنيا ورحل بهدوء وقد كان يتحدث ويضحك ويخطط للحياة قبل ساعات أصبح الآن خبراً موجعاً تبكيه القلوب؟ كيف يمكن أن نستوعب أن يوسف الذي عرفناه بكل هذا الحضور الإنساني أصبح ذكرى؟ أي هشاشة هذه التي تجعل الحياة تفصل بيننا وبين أحبائنا بثانية واحدة؟ اليوم لا أرثي صحفياً زاملته فقط بل أرثي زمناً جميلاً من المودة والاحترام والنبل أرثي رجلاً كان وفياً للناس بسيطاً رغم مكانته كريم الروح نقي السريرة عفيف اللسان أرثي إنساناً لم يكن يؤذي أحداً لذلك جاء رحيله كطعنة في قلب كل من عرفه لقد كان يوسف سراج الدين واحداً من أولئك الذين يصعب تعويضهم فالمؤسسات قد تنجب صحفيين لكنها نادراً ما تنجب رجالاً يحملون هذا القدر من الإنسانية
رحل يوسف لكن صورته ستظل حاضرة في ذاكرة كل من عمل معه في المكاتب القديمة
في رائحة الصحف المطبوعة في نقاشات التحرير الطويلة
في ضحكاته الهادئة
وفي طريقته النبيلة في التعامل مع الناس وسيبقى اسمه محفوراً في القلوب قبل الأوراق
أما الفاجعة الأكبر فهي أن الموت لم يكتفِ به بل أخذ زوجته معه وكأنهما كانا على موعد مشترك مع السماء يا لها من قسوة لا يحتملها القلب ويالها من لحظة موجعة لأسرتهما وأحبابهما وأصدقائهما وهم يواجهون هذا الخبر الذي يشبه الصاعقة نسأل الله أن يتغمدهما بواسع رحمته وأن يجعل قبريهما روضة من رياض الجنة وأن يرزق أهلهما ومحبيهما الصبر الجميل
يوسف سراج الدين يا صديقي العزيز يا صاحب القلب الطيب يا من كنت خفيفاً على الناس ثقيلاً في المواقف نم قرير العين لقد أوجعتنا برحيلك وتركت في الروح حزناً كبيراً لا تداويه الكلمات إنا لله وإنا إليه راجعون



