ضل الحراز : علي منصور حسب الله

 

لم تعد قضية الصحفية رشان أوشي مجرد دعوى جنائية عابرة بل تحولت إلى اختبار حقيقي لضمير العدالة ولمدى قدرة القضاء على الوقوف مستقلاً أمام العواصف السياسية والإعلامية وأمام حملات التشهير والتحريض والإستقطاب فحين يصبح الرأي العام سيفاً مسلطاً على منصة القضاء وحين تتحول بعض الأقلام إلى أدوات للضغط والابتزاز المعنوي فإن الخطر لا يهدد شخصاً بعينه بل يهدد هيبة العدالة نفسها ويضع دولة القانون بأكملها على المحك إن جوهر القضية لا يكمن فقط في منشور كتبته صحفية على منصة تواصل اجتماعي وإنما في سؤال قانوني ودستوري بالغ الخطورة كيف يحاكم شخص بقانون عدل لاحقاً لواقعة حدثت قبل التعديل؟ أليس من المبادئ الراسخة في القانون وفي ضمير الإنسانية قبل نصوص الدساتير أن (القانون لا يسري بأثر رجعي؟) أليس هذا المبدأ أحد أهم الضمانات التي تحمي الناس من التعسف ومن إستخدام التشريع كسلاح للإنتقام السياسي أو الفكري؟

إن مبدأ عدم رجعية القوانين ليس تفصيلاً إجرائياً يمكن تجاوزه تحت ضغط الإنفعال أو الرغبة في العقاب بل هو حجر الأساس لأي نظام عدلي محترم لأنه ببساطة يعني أن المواطن يجب أن يعرف مسبقاً ما هو المباح وما هو المجرم لا أن يفاجأ لاحقاً بأن القانون قد تغير.ثم يطبق عليه بأثر رجعي لإدانته ولهذا فإن أي مساس بهذا المبدأ يفتح أبواباً خطيرة أمام إنهيار الثقة في العدالة وتحويل القضاء إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والفكرية والأمر الأكثر خطورة وإيلاماً أن القضية أُحيطت بأجواء كثيفة من الضغوط الإعلامية والاستقطاب السياسي فقبل النطق بالحكم خرج الصحفي عطاف عبد الوهاب التوم بمنشور على صفحته بموقع (فيسبوك) في خطوة بدت للكثيرين وكأنها محاولة ضغط معنوي على المحكمة وتلويح بالرأي العام في حال عدم إدانة الصحفية والأخطر من ذلك أن المنشور حمل بصورة ضمنية إشارات إلى وجود (تدخلات) أو (لوبيهات) أو جهات نافذة قد تؤثر على سير العدالة وهي إتهامات تمس نزاهة المؤسسة القضائية نفسها وتضع الثقة العامة في القضاء أمام اختبار بالغ الحساسية وفي الدول التي تحترم استقلال القضاء فإن مجرد محاولة التأثير على المحكمة أثناء نظر الدعوى تعد سلوكاً مرفوضاً أخلاقياً وقانونياً لأن العدالة لا يمكن أن تعمل تحت التهديد المعنوي أو الإبتزاز الجماهيري فالقاضي يجب أن يحكم بالقانون وضميره لا بالخوف من الحملات الإعلامية ولا برغبة هذا الطرف أو ذاك في الإنتقام السياسي أو تصفية الحسابات الشخصية لقد بدا واضحاً من خلال حالة الإستقطاب التي صاحبت القضية أن هناك أصواتاً نافذة أرادت إدانة الأستاذة رشان بأي ثمن ليس حباً في العدالة وإنما بدافع الخصومة السياسية والفكرية وهنا تكمن الكارثة الحقيقية حين يتحول الاختلاف في الرأي إلى معركة لتكسير العظام عبر المحاكم وحين يصبح القضاء أداة تستخدم لتصفية الحسابات بين الخصوم السياسيين والإعلاميين

فالعدالة لا تقاس بقدرتنا على معاقبة من نختلف معهم بل بقدرتنا على حماية حقوقهم حتى ونحن نعارضهم وهذه هي الأخلاق التي تميز الدول التي تحترم القانون عن المجتمعات التي تحكمها الأهواء والإنفعالات وردود الفعل الغاضبة والمؤسف كذلك أن بعض منسوبي الحركات المسلحة تعاملوا مع إدانة الصحفية وكأنها مناسبة للشماتة والتشفي والإساءة الشخصية متناسين أن الخلاف السياسي لا يبرر سقوط القيم الإنسانية والأخلاقية فالرجولة ليست في ملاحقة امرأة بحملات الإهانة والتجريح ولا في تحويل الخصومات الفكرية إلى حفلات كراهية علنية الرجال الحقيقيون يختلفون بشرف ويواجهون الكلمة بالكلمة والحجة بالحجة لا بالتحريض والتشويه والتلذذ بعقوبة الخصوم إن أخطر ما في هذه القضية أنها قد تخلق سابقة مرعبة لكل صحفي وكاتب وصاحب رأي في السودان فإذا شعر الناس أن القانون يمكن أن يفصل لاحقاً لمعاقبتهم وأن الحملات الإعلامية قد تؤثر على القضاء وأن الخصومات السياسية يمكن أن تتحول إلى أحكام قضائية فإن الخوف سيصيب المجال العام بأكمله وستتحول الصحافة إلى مهنة محفوفة بالرعب بدلاً من أن تكون منبراً للكلمة الحرة والرقابة المجتمعية على الفساد والانحراف ولا يمكن فصل هذه القضية عن السياق العام الذي يعيشه السودان اليوم حيث تتراجع الثقة في المؤسسات ويتزايد الاحتقان السياسي والاجتماعي وتتسع مساحات التخوين والكراهية وفي مثل هذه الظروف يصبح استقلال القضاء أكثر أهمية من أي وقت مضى لأنه يمثل الملاذ الأخير للمواطن والحاجز الذي يمنع انزلاق الدولة إلى الفوضى أو الانتقام أو العدالة الانتقائية كما أن حرية الصحافة رغم ما قد يشوبها أحياناً من أخطاء أو تجاوزات لا ينبغي أن تواجه بمنطق التخويف أو الرغبة في التكميم فالأصل في أي نظام ديمقراطي أن تتم مواجهة الخطأ بالمحاسبة العادلة وفق القانون لا بتحويل الصحفيين إلى أهداف لحملات التشهير أو أدوات لتصفية الصراعات السياسية فالصحافة الحرة ليست ترفاً بل هي أحد أهم صمامات الأمان في المجتمع لأنها تكشف الخلل وتفتح النقاش العام وتمنع احتكار الحقيقة والأغرب في هذه القضية أن الأستاذ الصحفي حافظ الخير نشر عبر صفحته على موقع (فيسبوك) مقال الأستاذة رشان أوشي محل الدعوى وعلق عليه قائلاً (لم تثبت ولا حرف مما كتبت وفصل الضابط من الخدمة وتشردت أسرته وهذا كله لا مهنية ولا كشف فساد ولا يحزنون… كله كذب لم تثبته في المحكمة التي امتدت سنة ونصف… دمرت حياة أسرة) وهنا يبرز سؤال مشروع ومهم إذا كانت الوقائع بحسب ما ذكره الأستاذ حافظ الخير لم تثبت فلماذا فصل الضابط من الخدمة؟ وهل جرى تحقيق إداري أو قانوني انتهى إلى وجود مخالفات استوجبت الفصل؟ أم أن قرار الفصل تم دون تحقق أو مساءلة عادلة؟ هنا نكتشف وجود ظلم وقع أما على الضابط الذي فصل بسبب مقال بدون تحقق أو على الصحفية التي عقبت بلا جريمة لأنها في هذه الحالة تكون نشرت حقيقة أكدتها نتائج التحقيق لأن مجرد فصل موظف من موقعه الحساس لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراءاً عادياً بل يحمل في ذاته دلالات تستحق التفسير والتوضيح للرأي العام فإذا كان الفصل قد تم نتيجة تحقيق رسمي فهذا يعني أن هناك معطيات دفعت جهة ما لاتخاذ إجراء إداري خطير الأمر الذي يطرح تساؤلات حول طبيعة تلك المعطيات أما إذا كان الفصل قد تم دون بينات أو دون تحقيق مكتمل فهنا نكون أمام أزمة أخرى تتعلق بحقوق الموظفين وضمانات العدالة الإدارية وفي كلتا الحالتين فإن القضية تبدو أكثر تعقيداً من مجرد محاولة اختزالها في خطاب الشماتة أو التخوين إن القضية إذن ليست قضية رشان أوشي وحدها بل قضية كل من يؤمن بأن العدالة يجب أن تبقى فوق الصراع السياسي وأن القضاء يجب أن يظل حصناً محايداً لا ساحة انتقام لأن الأوطان لا تبنى بالتشفي ولا بإخضاع المحاكم للضغوط ولا بتكميم الأفواه وإنما تبنى باحترام القانون وصيانة الحريات وحماية استقلال القضاء من كل من يحاول جره إلى معارك السياسة والكراهية وحين تضيع العدالة تحت ضجيج التحريض يصبح الجميع مهددين حتى أولئك الذين يصفقون اليوم

Exit mobile version