أصداء وطنية: بقلم:برمة ابوسعادة

يمثل ظهور العميد علي رزق الله السافنا في هذا التوقيت نقطة تحول لافتة في المشهد السوداني ليس فقط بسبب انضمامه إلى صفوف القوات المسلحة وإنما لما حمله حديثه من اتهامات خطيرة وتفاصيل حساسة تكشف حجم التصدع داخل بنية المليشيا المتمردة وتوضح كيف تحولت الحرب من مشروع تمرد محدود إلى أزمة معقدة تشابكت فيها الحسابات القبلية والمصالح الخارجية والصراعات الداخلية على النفوذ.

*اطلالة بسيطة على نشأة السافنا:*

وُلد علي رزق الله محمد دوداو “السافنا” في بيئة رعوية خالصة على امتداد مرحال “طوطاح” في تخوم دارفور ويرجح أن ميلاده كان في حدود العام 1982م حيث نشأ وسط حياة البادية والترحال الموسمي خلف الماء والكلأ. وقد عرفته عن قرب منذ سنوات الطفولة الأولى ومرابع الصبا لأننا من فخذٍ واحد في القبيلة كما كنا (عيال الدور) في البادية وتقاسمنا تفاصيل تلك الحياة البسيطة في ضواحي برام الكلكة عند المصايف وموارد المياه وفي نقاع دباك أبوحمراء وترتورة (شنقل طوباي) خلال مواسم المخارف وفترة النشوق. وكنا نجتمع في الليالي القمراء الصافية نلهو بألعاب البادية الشعبية مثل “الشليل” و”الهكو” ولعبة “الورَّاني مالو سِمَيِّن كي بياكل سمسم بمشي بقيِّل كِي ” وسط أجواء يختلط فيها صوت السمر بحركة الرعاة ونباح الكلاب ولهيب النار في ليالي الخلاء الأمر الذي جعلنا نعيش زمناً يحمل بساطة البادية وقيمها الأصيلة بكل تفاصيلها.

أما سبب لقبه الشهير “السافنا” فيعود إلى واقعة ظلت راسخة في ذاكرة أهله ومعارفه إذ وُلد في الفترة التي بدأ فيها مشروع “السافنا” نشاطه في دارفور وجاء بعض موظفي المشروع أثناء جولاتهم الميدانية ونزلوا ضيوفاً على أسرة علي رزق الله المعروفة بـ”عيال دوداو ابوشريفة” وهي أسرة كبيرة مشهورة بالكرم والترحال الرعوي. وقد أعجب الضيوف بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة فأخبرهم أهل الدار بأنهم مدعوون في صباح اليوم التالي إلى فطور عقيقة المولود الجديد الذي وُلد وقتها وهو علي رزق الله. ومنذ تلك المناسبة ارتبط اسم “السافنا” بالمولود الصغير وصار لقباً لازمه حتى غلب على اسمه الحقيقي وأصبح يعرف به في الأوساط الاجتماعية والعسكرية.ومازالت تنشط أسرته في ذات النمط الاقتصادي الرعوي السائد في تلك البيئة حيث تعتمد على تربية الأبقار والأغنام والخيول التي تُستخدم في الزينة وسباقات الفروسية مع وجود محدود للإبل التي تقل نسبتها في تلك المناطق بسبب عدم ملاءمة المراعي لها بشكل كبير بجانب الزراعة التي احترفتها قريباً.

وتلقى السافنا في بداياته قسطاً من تعليم القرآن الكريم في الخلوة ثم التحق بالمدرسة الابتدائية غير أن حياة الترحال وعدم استقرار الأسر الرعوية التي كانت تجوب المناطق بحثاً عن الماء والمرعى حالت دون استمراره في التعليم النظامي ليغادر مقاعد الدراسة مبكراً ويعود إلى حياة البادية التي صقلت شخصيته مبكراً. ومع تقدمه في العمر بدأت تتشكل لديه طموحات أكبر فاندفع في سنوات شبابه الأولى إلى ساحات الصراع المسلح التي كانت تضرب الإقليم ليدخل عالم التمرد في بواكير عمره خلال مرحلة مضطربة شهدت استقطاب أعداد كبيرة من أبناء المناطق الطرفية.

ويكتسب حديث السافنا أهمية إضافية بالنظر إلى خلفيته العسكرية الطويلة ومعرفته الدقيقة ببنية التمرد وتفاصيله الداخلية؛ فالرجل ليس وافداً جديداً على هذا الملف بل يعد من الأسماء التي عاصرت مراحل مبكرة من الصراع المسلح في دارفور. وعندما عاد من التمرد في العام 2011 وتم التوصل إلى اتفاق معه واستيعابه داخل القوات المسلحة السودانية برتبة مقدم كان محمد حمدان دقلو آنذاك مجرد حكمدار عادي لا يمتلك ذلك النفوذ الواسع أو الثقل الذي أصبح عليه لاحقاً داخل المشهد العسكري والسياسي الأمر الذي يجعل السافنا من أكثر الشخصيات إلماماً بمسارات تكوين المليشيا وتطورها ومعرفةً بخفايا قياداتها وتركيبتها القبلية والعسكرية وطرق إدارتها وتحركاتها من أعلى هرم القيادة وحتى أدنى الإدارات التابعة لها.

أبرز ما ميز المؤتمر الصحفي هو محاولة السافنا تقديم نفسه باعتباره شاهداً من داخل المنظومة لا مجرد خصم سياسي أو عسكري ولذلك جاءت تصريحاته مركزة على ثلاث قضايا أساسية: الارتهان الخارجي والانقسامات الداخلية وفقدان القيادة المركزية للمليشيا. فحديثه عن إصابة حميدتي وعجزه عن إدارة الملف العسكري بصورة مباشرة ثم انتقال القرار إلى دوائر خارجية يحمل دلالات سياسية كبيرة تتجاوز الجانب العسكري إلى سؤال السيادة الوطنية نفسها.

كما أن اتهاماته بشأن عمليات التصفية الداخلية واغتيال قيادات بارزة مثل جلحة رحمة موسى وحامدعلي ابوبكر وعبدالله حسين تعكس ـ إن صحت ـ حجم حالة الشك والتخوين التي تضرب المليشيا من الداخل خاصة في ظل تضارب المصالح وتعدد مراكز القوى. وغالباً ما تكون هذه المؤشرات دليلاً على دخول أي تشكيل مسلح في مرحلة إنهاك داخلي يصعب معها الحفاظ على التماسك التنظيمي.

وفي جانب آخر حاول السافنا أن يبعث برسالة سياسية واجتماعية مهمة مفادها أن موقفه ليس اصطفافاً قبلياً بل انحياز لما وصفه بـ”حضن الوطن“. وهذه النقطة تحديداً تحمل أهمية كبيرة في ظل تصاعد خطاب الكراهية ومحاولات الزج بالمكونات القبلية في صراع سياسي وعسكري معقد وهو خطاب ظل يهدد النسيج الاجتماعي السوداني بصورة خطيرة خلال الفترة الماضية.

وتمثل عودة السافنا إلى حضن الوطن وانضمامه الرسمي إلى القوات المسلحة السودانية إضافة حقيقية ومؤثرة في معركة الكرامة لما يمتلكه من خبرة ميدانية واسعة ومعرفة دقيقة ببنية المليشيا وتحركاتها كما تشكل في الوقت ذاته ضربة معنوية وتنظيمية للمليشيا التي فقدت أحد أبرز القادة المطلعين على تفاصيلها الداخلية الأمر الذي يعزز من موقف القوات المسلحة ويضعف من تماسك الطرف الآخر في هذه المرحلة الحساسة من الصراع.

وفي المجمل فإن خطاب السافنا لم يكن مجرد إعلان انشقاق عابر بل محاولة لإعادة صياغة الرواية السياسية للحرب من داخل معسكر التمرد نفسه عبر تقديم المليشيا ككيان فاقد للاستقلال السياسي تعصف به الخلافات الداخلية وتتحكم في قراراته قوى خارجية مقابل تقديم الجيش باعتباره المؤسسة الوطنية الجامعة القادرة على استعادة الدولة ووحدة البلاد.

Exit mobile version