ضل الحراز: علي منصور حسب الله
ما تعرضت له بنات الحكامة أم جمعة حسين أبو القاسم الشهيرة ببت الضعين وأم الأشاوس من إختطاف وإنتهاكات مروعة وعلى رأسها جريمة الاغتصاب المتكرر التي دفعت إبنتها الكبرى إلى حالة من الإنهيار النفسي الكامل باعتراف الحكامة نفسها هو جريمة مدانة بكل المقاييس الإنسانية والأخلاقية والدينية فلا يوجد مبرر في الأرض يمكن أن يشرعن الإعتداء على النساء أو تحويل أجسادهن إلى ساحات إنتقام وتصفية حسابات إن الإغتصاب جريمة ضد الإنسانية لا تبرر بالسياسة ولا بالحرب ولا بالقبيلة ولا بأي ذريعة أخرى لكن المأساة هنا تحمل وجهاً آخر أكثر قسوة وألماً وجه المفارقة الموجعة حين يرتد العنف الذي تم التهليل له يوماً إلى بيوت الذين صفقوا له وشجعوا عليه فمن المؤلم أن تصل أم جمعة اليوم إلى حالة البكاء والإنهيار والتوسل لإيقاف الإنتهاكات بعد أن كانت عبر أشعار الحماسة والتحريض تسهم في إذكاء جذوة الحرب ونار الدمار وتغذية روح الإنتقام والكراهية داخل صفوف مليشيا الدعم السريع تلك المليشيا التي ارتبط إسمها في ذاكرة السودانيين بسلسلة واسعة من الإنتهاكات والفظائع بحق المدنيين في دارفور وكردفان والخرطوم وغيرها لقد ظلت بعض الحكامات للأسف منهن أم جمعة يوظفن الشعر الشعبي والحماسة القبلية في تعبئة الشباب نحو الحرب ليس دفاعاً عن الوطن أو القيم بل خدمة لنزعات قبلية وعنصرية ضيقة وتمادت بعض الأصوات في إستخدام خطاب مهين وحاط بالكرامة الإنسانية وصل حد وصف الآخرين بالعبيد والسخرية من أصلهم وسلالاتهم والضحك سعادة من معاناتهم في واحدة من أبشع صور الإنحدار الأخلاقي والإنساني حتى إنها خلعت ملابسها الداخلية مهددة بعدم ارتدائها ثمانية ما لم تسقط الفاشر وحين كانت تتردد قصص الإغتصاب والإنتهاكات في القرى والمدن لم يكن هناك تعاطف حقيقي مع الضحايا بل كان البعض يستقبل تلك الأخبار بزهوٍ واستخفاف لدرجة أن أحدي منسوبات مليشيا الدعم السريع (شيراز خالد) دعت جهراً أمام الكاميرات وحشود بعد ظهورها في مقاطع فيديو دعائية ومصورة كعنصر ومنتمية لمليشيا الدعم السريع وقتها أثارت جدلاً واسعاً واستياءً كبيراً لظهورها في مقاطع تحريضية تدعو فيها عناصر المليشيا للاعتداء على النساء وانتهاكهن خاصة في شمال السودان مما أثار إدانات واليوم حين امتدت يد الجريمة إلى بناتها تغيّر كل شيء أصبحت الدموع حاضرة والاستغاثة مرتفعة والمطالبة بوقف الإغتصاب ضرورة عاجلة وهنا تظهر الحقيقة القاسية التي تجاهلها كثيرون النار التي تشعلها الكراهية لا تميز بين بيت وآخر والوحش الذي يربى على العنف لا يعترف بولاء ولا قبيلة ولا نسب فمن يطلق خطاب التحريض ويبارك الانتهاكات بحق الآخرين عليه أن يدرك أن دائرة الخراب ستتسع يوماً لتبتلع الجميع بلا استثناء ومع ذلك فإن الموقف الأخلاقي الحقيقي لا يقوم على الشماتة ولا الإنتقام نحن لا نبرر ما حدث لبناتها ولا نقبل تحويل مأساتهن إلى مادة للتشفي لأن القيم الإنسانية والمبادئ لا تتجزأ ولأن النساء لسن أدوات حرب ولا وقوداً لصراعات الرجال إن إدانة الجريمة يجب أن تكون ثابتة سواء وقعت على من نختلف معهم أو من نتفق معهم وهذه هي أخلاق الأحرار الحقيقيين أن ينتصروا للإنسان حتى في لحظات الخصومة لكن في المقابل فإن هذه الحادثة ينبغي أن تكون درساً بالغ القسوة لكل من يظن أن التحريض على العنف يمكن السيطرة على نتائجه أو أن الإنتهاكات يمكن أن تبقى بعيدة عن أهله وبيته فالحرب حين تنفلت من الضمير والقيم تتحول إلى ماكينة عمياء تطحن الجميع بلا رحمة لقد أثبتت التجارب في السودان وفي غير السودان أن خطاب الكراهية والعنصرية لا يبني مجتمعات بل يهدمها من الداخل وأن تمجيد المليشيات وتبرير جرائمها تحت أي غطاء قبلي أو سياسي لا يقود إلا إلى مزيد من الدماء والخراب وتمزيق النسيج الاجتماعي وما يحدث اليوم ليس سوى نتيجة طبيعية لسنوات من تغذية الأحقاد وتقديم الولاء القبلي على القيم الإنسانية والوطنية.إن السودان لن ينهض ما دام البعض يعتقد أن دماء الآخرين رخيصة وما دام يصنفون أنفسهم سادة وغيرهم عبيد و أن الإغتصاب يصبح جريمة فقط عندما يصيب القريبات وبنات العائلة العدالة الحقيقية تبدأ حين ندين الجريمة كمبدأ لا بحسب هوية الضحية أو الجاني ولعل الدرس الأكثر إيلاماً في هذه المأساة هو أن الإنسان قد لا يشعر بوجع الآخرين إلا حين يتذوق الألم بنفسه لكن الأوطان لا تبنى بهذه الطريقة بل تبنى بالتعاطف والعدالة وإحترام الكرامة الإنسانية للجميع دون إستثناء




