صدى الواقع: محمد مصطفى الزاكي
في خضم الحرب المشتغل في السودان، لا تقتصر الخسائر على دمار المدن فحسب، بل امتدت لتطال المعاني الجوهرية التي تشكل ركائز الحياة المتوازنة..
في دارفور تلاشى هيبة الدولة، وغدى القانون مجرد صدى لذكرى بعيدة، فتحول المواطن هناك إلى هدف مكشوف لمختلف أشكال الابتزاز والخوف.
هذا المشهد تجلى في دارفور إثر انسحاب مؤسسات الدولة، تاركةً ملايين المدنيين في مواجهة واقع يلامس البدائية، حيث علا صوت السلاح فوق كل اعتبار، وتضاءل قيمة أي شيء أمام القوة المجردة..
وجدت مجتمعات دارفور نفسها فجأة في قلب فراغ سياسي وأمني بالغ الخطورة؛ فراغ لم تملأه كيانات مدنية أو إدارات محلية قادرة على توفير الحماية، بل استغلته مليشيات الدعم السريع لفرض سيطرتها بمنطق الغلبة.. ومع مرور الوقت، لم تعد المليشيا تكتفي بالانتهاكات العشوائية، بل شرعت في بناء نموذج سلطة موازية، مستنسخةً مسميات الدولة ومؤسساتها دون أن تحمل جوهرها الحقيقي..
فظهرت مسميات لـ “وزراء” بلا قانون، و”ولايات” بلا سيادة، و”إدارات” تقتصر وظيفتها على فرض الجبايات وتقنين النهب وإضفاء شرعية زائفة على الفوضى العارمة.
في هذا السياق المأساوي، ظل المواطن الدارفوري يواجه مصيره وحيداً؛ وبات المزارع يخشى فلاحة أرضه خشية أن يلفت محصوله أنظار المسلحين، وهجر التاجر سوقه ولجأ لممارسة أعمال هامشية أقل خطراً، بينما لزم الموظف بيته مترقباً مصيراً مجهولاً..
أما المدن، فقد تحولت إلى فضاءات يسيطر عليها الخوف، ويعيش سكانها على وقع الشائعات أكثر من الحقائق الملموسة.
وبقي السؤال متردداً بإلحاح بين البسطاء في دارفور : لماذا تأخر وصول الجيش؟ ولماذا بقيت دارفور رهينة لهذا المصير القاسي كل هذا الوقت، رغم الأحاديث المتكررة عن تراجع المليشيا وانشقاق قادتها؟..
هذا التساؤل لم يعد مجرد استفسار سياسي، بل تحول إلى جرح نفسي عميق في وجدان مجتمع يشعر بأنه تُرك وحيداً في مواجهة الموت والجوع والإهانة.
إن أخطر ما أفرزته الحرب في دارفور ليس الدمار الإنساني فحسب، بل إعادة تشكيل مفهوم السلطة داخل المجتمع..
فحين تغيب الدولة لفترة طويلة، تتمدد الجماعات المسلحة في هذا الفراغ، ليس فقط بقوة السلاح، بل بإعادة تعريف الحياة العامة وفق مصالحها الخاصة..
لذا، سعت مليشيات الدعم السريع إلى إنشاء واجهات إدارية تحاكي مؤسسات الحكم، محاولةً إقناع الناس بأنها تمثل بديلاً للدولة، بينما حقيقتها لا تتعدى كونها أدوات لإدارة الفوضى بصورة أكثر تنظيماً.
لقد أدركت هذه المليشيات مبكراً أن البطش وحده لا يكفي للسيطرة المستدامة، فالمدن الخالية من السكان لا تمنح المنتصر شرعية ولا موارد..
لذلك لجأت إلى صناعة هياكل حكم صورية تمنح وجودها طابعاً “رسمياً”، رغم أنها في الواقع لا تملك مشروع دولة ولا رؤية إدارية، بل تعتمد على اقتصاد الحرب والنهب وفرض الإتاوات.
المواطن في مناطق سيطرتها لا يدفع الرسوم مقابل خدمة عامة أو حماية قانونية، بل يدفعها تحت تهديد القوة، في صورة أقرب إلى الابتزاز المنظم..
في المقابل، دخل المجتمع المحلي في دارفور مرحلة إنهاك غير مسبوقة؛ حيث فقدت الأسر التي كانت تعتمد على الزراعة مصادر رزقها، وخسرت الأسواق نشاطها التقليدي، بينما تزايدت معدلات النزوح والجوع بصورة مأساوية..
أن الأزمة لا تقتصر على المليشيا فحسب، بل تمتد لتشمل البطء العسكري والسياسي في التعامل مع ملف دارفور..
فالأخبار القادمة من بورتسودان والخرطوم تتحدث باستمرار عن انشقاقات في صفوف الدعم السريع وانضمام قيادات ميدانية إلى القوات المسلحة..
والمواطن البسيط هناك يتساءل: إذا كانت المليشيا تنهار فعلاً، فلماذا لا تنعكس هذه الانتصارات على واقع الناس في دارفور؟، لماذا لا تُفتح الطرق نحو الإقليم ويُفك الحصار عن المدنيين؟..
الأكثر إثارة للاستغراب هو تحول بعض القيادات التي أعلنت انشقاقها عن المليشيا إلى منصات إعلامية وخطابات سياسية، بدلاً من أن تتحول إلى قوة قتالية فاعلة على الأرض.. فالرأي العام في دارفور لا يحتاج إلى مؤتمرات وتصريحات بقدر حاجته إلى أفعال عسكرية تعيد فتح الممرات وتنقذ المدنيين المحاصرين..
لذلك بدأ كثيرون ينظرون بعين الشك إلى جدية بعض هذه الانشقاقات، خاصة عندما يغيب أثرها العملي في ميادين القتال.
إن معركة دارفور اليوم ليست مجرد صراع بين الجيش والدعم السريع، بل هي معركة بين مفهومين للدولة: دولة القانون والمؤسسات، ودولة الغلبة التي يحكمها السلاح والمصالح القبلية والاقتصاد الطفيلي للحرب..
لهذا فإن استعادة دارفور لا تعني فقط استعادة المدن جغرافياً، بل استعادة فكرة الدولة ذاتها في وعي الناس..
لأن سكان دارفور دفعوا ثمناً باهظاً لغياب السلطة الشرعية، ورأوا بأم عيونهم كيف يمكن للفوضى أن تتحول إلى نظام حياة كامل عندما يطول أمد الحرب..
لكن المجتمعات، مهما أنهكتها المآسي، تظل تبحث عن بصيص أمل يعيد إليها الإحساس بالأمان والانتماء.
أهل دارفور اليوم لا ينتظرون خطابات سياسية بقدر ما ينتظرون نهاية حقيقية لعهد المليشيات، وعودة دولة يشعر فيها المواطن أن كرامته مصانة بقوة القانون لا برحمة المسلحين..
كما أن استمرار الحرب بهذه الصورة يهدد بإنتاج أجيال كاملة تربت داخل بيئة ترى السلاح وسيلة طبيعية للحكم والعيش، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة بعد النزاعات الطويلة..
لأن الحروب حين تشتعل، لا تسرق الحاضر فقط، بل تعيد تشكيل المستقبل بصورة مشوهة إذا لم تُحسم سريعاً بحلول تعيد بناء المؤسسات والثقة الوطنية.



