بقلم: حياة خميس أرباب

مقرر لجنة المرأة – المقاومة الشعبية ولايات دارفور

في دارفور لا تموت النساء بالرصاص وحده.

تموت امرأةٌ حين تُجبر على مغادرة بيتها الذي ورثته عن آبائها وأجدادها. وتموت أخرى حين ترى طفلها يتضور جوعاً ولا تجد ما تسد به رمقه. وتموت ألف مرة حين تتحول كرامتها إلى ساحة حرب، وجسدها إلى رسالة رعب يبعث بها المجرمون إلى مجتمعٍ كامل.

منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تكن المرأة الدارفورية مجرد ضحية جانبية للصراع، بل كانت في قلب الاستهداف. دفعت الثمن دماً ودموعاً ونزوحاً وتشريداً وفقداً لا ينتهي. وبينما تتصدر أخبار المعارك نشرات الأخبار، تبقى معركة النساء مع الألم والخوف والجوع والانتهاكات بعيدة عن عدسات الكاميرات.

هناك، في الفاشر وزمزم وأبو شوك وسائر بقاع دارفور المنكوبة، تكتب النساء فصولاً موجعة من الصبر الإنساني. يهربن من الموت ليجدنه على طرق النزوح، ويهربن من الرصاص ليواجهن الجوع والعطش والمرض وانعدام الأمان.

أي مأساة هذه التي تجعل أماً تدفن طفلها بيديها ثم تواصل السير لأنها لا تملك وقتاً للبكاء؟

وأي كارثة أخلاقية تلك التي تجعل العالم يسمع صرخات النساء ثم يكتفي بإصدار البيانات؟

لقد تجاوزت الانتهاكات حدود الجريمة الفردية إلى مستوى الاستهداف المنظم للمرأة بوصفها رمزاً للمجتمع وعموده الفقري. فالاغتصاب لم يعد مجرد اعتداء على شخص، بل أصبح سلاحاً لإذلال الجماعات وتمزيق النسيج الاجتماعي وزرع الخوف في النفوس. إنها جريمة ضد الإنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وفي معسكرات النزوح، لا تعيش النساء حياةً طبيعية، بل ينتظرن المجهول. يحملن أطفالهن على أكتافٍ أنهكها الجوع، ويخفين دموعهن حتى لا ينهار من حولهن. هنّ آخر من يأكل، وأول من يضحي، وأكثر من يدفع ثمن الحرب التي لم يصنعها.

ثم يأتي السؤال الذي يطارد الضمير الإنساني:

كم امرأة يجب أن تُغتصب حتى يتحرك العالم؟

وكم طفلة يجب أن تُشرّد حتى يشعر أصحاب القرار بخطورة ما يجري؟

وكم أماً يجب أن تفقد أبناءها قبل أن تتحول العدالة من شعار إلى واقع؟

إن الصمت على ما يحدث في دارفور ليس حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في استمرار المأساة. والتأخر في حماية النساء ليس مجرد تقصير، بل فشل أخلاقي وإنساني سيدونه التاريخ في صفحاته السوداء.

إن نساء دارفور لا يطلبن المستحيل. لا يطلبن امتيازات خاصة. إنهن يطالبن بحقوق تكفلها كل الشرائع السماوية والقوانين الإنسانية: الحق في الحياة، والحق في الأمن، والحق في الكرامة.

وحين تعجز الإنسانية عن حماية امرأة أعزل في مخيم نزوح، فإنها تعلن هزيمتها أمام وحشية الحرب.

سيأتي يوم تتوقف فيه المدافع، وتُطوى صفحات القتال، لكن ما سيبقى في ذاكرة التاريخ ليس أسماء القادة ولا خرائط المعارك، بل تلك الدموع التي انهمرت بصمت، وتلك الصرخات التي لم تجد من يسمعها، وتلك النساء اللاتي حملن وطنهن المنكوب فوق أكتافهن ومضين.

نساء دارفور لسن أرقاماً في تقارير المنظمات، ولا عناوين عابرة في نشرات الأخبار.

إنهن وجع وطن… وشاهدات على عصرٍ امتحن إنسانية العالم، وما زال ينتظر الإجابة.

Exit mobile version