بقلم: عرفة عثمان حميدان
شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الأيام الماضية لقاءً تفاوضياً مهماً بين القوى السياسية السودانية، برعاية الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد وجامعة الدول العربية، إلى جانب مجموعة الاتحاد الأوروبي . وقد مثّل هذا اللقاء خطوة مهمة نحو كسر حالة الجمود السياسي التي خيمت على المشهد السوداني منذ اندلاع الحرب.
ومن بين المشاركين برزت قوى الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية، التي دفعت بوفد رفيع المستوى برئاسة الباشمهندس مبارك أردول، في خطوة عكست رغبة التحالف في الانخراط الجاد في الجهود الرامية إلى إيجاد مخرج للأزمة السودانية.
وتُعد الكتلة الديمقراطية اليوم من أكبر التحالفات السياسية السودانية وأكثرها تنوعاً من حيث التمثيل الجغرافي والاجتماعي والسياسي. فهي تضم في صفوفها قوى سياسية وتنظيمات تمثل مختلف أقاليم السودان، بدءاً من شرق السودان ممثلاً في مؤتمر البجا والجبهة الشعبية للتحرير والعدالة وتحالف أحزاب وحركات شرق السودان بقيادة الزعيم الأهلي محمد الأمين، مروراً بالقوى السياسية في الوسط والشمال بقيادة جعفر الميرغني، وصولاً إلى الحركات الموقعة على اتفاق جوبا للسلام والقوى السياسية والمجتمعية القادمة من كردفان ودارفور وجبال النوبة.
ويمنح هذا التنوع الكتلة الديمقراطية ميزة سياسية مهمة تتمثل في قدرتها على التعبير عن قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، بما يعكس الطبيعة المركبة للأزمة السودانية وتعقيداتها التاريخية والاجتماعية والإقليمية.
في المقابل، يواجه ما يُعرف بتحالف “صمود” انتقادات متزايدة تتعلق بضعف تمثيله للقوى الاجتماعية والسياسية المؤثرة على الأرض. فبحسب العديد من المراقبين، يقتصر التحالف بصورة كبيرة على أحزاب وقوى سياسية ذات حضور محدود، إلى جانب ناشطين يقيمون خارج السودان منذ سنوات طويلة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى قدرتهم على استيعاب التحولات العميقة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، أو تمثيل تطلعات المجتمعات المحلية المتأثرة مباشرة بالحرب والصراع.
ومع ذلك، فإن نجاح الكتلة الديمقراطية في تقديم نفسها باعتبارها التحالف الأوسع تمثيلاً لا يعفيها من ضرورة معالجة بعض أوجه القصور داخل بنيتها التمثيلية. فقد أظهرت مشاركة الوفد في لقاء أديس أبابا ضعفاً واضحاً في تمثيل نساء الهامش السوداني، لا سيما النساء القادمات من دارفور وكردفان وشرق السودان وجبال النوبة، وهي مناطق تحملت العبء الأكبر من الحروب والنزاعات والنزوح خلال العقود الماضية.
إن تمثيل النساء لا ينبغي أن يكون مجرد استيفاء لمتطلبات شكلية أو نسبية، بل يجب أن يعكس التنوع الحقيقي للمجتمع السوداني وخبرات النساء اللواتي عايشن آثار النزاعات بشكل مباشر. فنساء الهامش يمتلكن فهماً عميقاً لجذور الأزمة السودانية وقضايا العدالة والتمييز والتنمية غير المتوازنة، وغياب أصواتهن عن طاولات التفاوض يمثل خسارة حقيقية لأي عملية سياسية تسعى إلى بناء سلام مستدام.
وعليه، فإن الكتلة الديمقراطية مطالبة في المراحل المقبلة بتوسيع دائرة المشاركة النسوية وضمان حضور فاعل ومؤثر لنساء الأقاليم المتأثرة بالحرب، بما يعزز من شرعيتها السياسية ويؤكد التزامها بمبدأ الشمول والتمثيل العادل لجميع السودانيين.
إن مستقبل السودان يتطلب تحالفات سياسية واسعة الجذور وقادرة على استيعاب التنوع الوطني، وهو ما يمنح الكتلة الديمقراطية فرصة حقيقية للعب دور محوري في أي تسوية سياسية قادمة، شريطة أن تواصل تطوير أدواتها التمثيلية وأن تفسح المجال بصورة أكبر للأصوات القادمة من الهامش السوداني نساء”ورجالا



