صدى الواقع: محمد مصطفى الزاكي

رهن الغياب وفوضى السلاح في ظلال “مكجر”، حيث تئن الأرض تحت وطأة الرصاص العبثي، تختصر مأساة “أم اليتامى”، التي تحولت من باحثة عن لقمة عيش كريمة إلى شاهدة على انكسار روح الدولة؛ واقعاً أليماً يعيشه ملايين السودانيين في مناطق سيطرة مليشيات الدعم السريع..

إن ما يجري ليس مجرد فوضى عابرة، بل هو انهيار هيكلي للأمن والقانون، حيث تحولت المدن إلى ثكنات مفتوحة تسودها شريعة الغاب، وتُدار فيها شؤون العباد وفق أهواء “المتفلتين” الذين يرتدون الزي العسكري..

في هذه البقاع، غاب مفهوم الدولة، وتوارت المؤسسات، ليحل محلها فراغ قاتل يملأه هوس السلاح.

إن التناقض الصارخ بين الخطاب السياسي للمليشيا، الذي يتشدق بـ “الديمقراطية” و”دولة المواطنة”، وبين الواقع المعاش الذي تغرق فيه المدن في دماء النزاعات القبلية، يعكس سقطة أخلاقية وسياسية مدوية..

المدنيون هنا ليسوا سوى رهائن، يُقتطع من أرزاقهم ودمائهم ثمن صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وهم في رحلتهم اليومية بين الموت والنجاة، يدركون أن شعارات “التغيير” التي رفعتها المليشيا، قد ذابت تحت حرارة البنادق، تاركةً خلفها رماداً من الآمال المحبطة ومجتمعاً يتمزق على مرأى ومسمع من العالم.

إن المشهد الأمني في مناطق سيطرة الدعم السريع يتجاوز كونه انفلاتاً أمنياً عادياً؛ إنه تجسيد حي لغياب “المركزية” في السيطرة، حيث تحولت القيادة الميدانية إلى مراكز قوى متصارعة، يتداخل فيها الانتماء القبلي مع الهوية العسكرية..

وتبرز تجليات هذا الصراع في التوترات القبلية المتصاعدة التي تُستنزف فيها دماء المدنيين.

ولعل أبرز الأمثلة الحاضرة بقوة هو الصراع الدموي الذي تجدد بين قبيلتي “البني هلبا” و”السلامات”، حيث تحولت مناطق سيطرة المليشيا إلى ساحات لتصفية الحسابات القبلية، بدلاً من أن تكون واحات للأمن..

تتجاوز خطورة هذا الوضع مجرد الاقتتال؛ إذ إن المليشيا، التي يفترض بها (وفق ادعاءاتها) بسط السيطرة، تقف في كثير من الأحيان موقف المتفرج، أو الأدهى من ذلك، أنها تتحول إلى طرف في الصراع عندما يميل ميزان القوى لصالح أحد المكونات القبلية المنتمية لصفوفها..

هذا التماهي بين “القبيلة” و”المؤسسة العسكرية” للمليشيا جعل من المواطن الأعزل هدفاً مشروعاً للنهب أو التصفية عند وقوع أي حادثة.

إن ما حدث في “مكجر” من ترويع للمواطنين بسبب مقتل فرد من قبيلة الرزيقات يعكس عقيدة المليشيا؛ فالمواطن هنا هو “بنك متنقل” أو “رهينة” يتم الضغط بها لتحقيق مآرب قبلية أو انتقامية..

لقد أدى غياب سلطة الدولة القادرة على حماية المدنيين إلى بروز “إقطاعيات محلية” يقودها قادة ميدانيون، يمارسون السلطة المطلقة دون رقيب..

في هذه المناطق، توقفت الخدمات الأساسية، وانهارت شبكات الأمان الاجتماعي، وتفشت ظواهر النهب المسلح تحت غطاء “الواجب القبلي”..

وبات المواطن عالق في حلقة مفرغة: فمن جهة، يخشى بطش المليشيا إذا ما اعترض، ومن جهة أخرى، يكتوي بنيران صراعاتها القبلية التي لا تنتهي..

لقد حولت هذه المليشيات المدن إلى مسرح كبير للتجارب، حيث يختبرون قدرتهم على إدارة الصراعات عبر “إدارة الفوضى”، مما جعل حياة الإنسان السوداني في هذه المناطق أرخص من ثمن رصاصة تُطلق في زقاق ضيق..

إن هذا التماهي مع النزاعات القبلية ينسف تماماً أية ادعاءات للمليشيا بأنها تمثل “مشروعاً وطنياً”، مؤكداً أن الولاء الأول يظل دائماً للقبيلة قبل الوطن، وللمصلحة الضيقة قبل الأمن القومي، في معادلة خاسرة يكون ضحيتها دائماً هو المواطن الأعزل الذي يحلم بوطن يعيش فيه بكرامة، لا بوطن يُحكم بقانون الغاب.

سقوط الشعارات في امتحان الوجع يتجلى في الأجزاء من كردفان ودارفور التي سيطرت عليها مليشيات الدعم السريع، ويبرز السؤال الملحّ: أين ذهبت شعارات “الديمقراطية” و”العدالة” و”بناء الدولة الحديثة” التي صدرتها المليشيا للداخل والخارج؟ إن سقوط هذه الشعارات في امتحان الواقع بات يراه الطفل قبل الشيخ؛ فعندما يقتل الأخ أخاه في صراعات البني هلبا والسلامات، وتُنهب أسواق المدنيين بذرائع قبلية، فإن المليشيا لا تسقط فقط في امتحان الإدارة، بل تسقط أخلاقياً أمام الشعب السوداني..

إن الحكم لا يُبنى على الترهيب أو الانحياز للقبيلة، بل على حماية النفس البشرية التي باتت في مناطق سيطرتهم أرخص من حفنة من الذخيرة..

هل يعي هؤلاء القادة أنهم، بتركهم المدنيين يواجهون مصيرهم في مهب رياح النزاعات القبلية، قد كتبوا شهادة فشل مشروعهم قبل أن يبدأ؟ أم أنهم ما زالوا يظنون أن دماء السودانيين التي تُسفك هي مجرد أرقام في حساباتهم السلطوية؟..

إن التاريخ لا يرحم من اتخذ من أوجاع الناس سلماً للوصول إلى غاياته، والواقع يقول إن امتحان “المناطق الرهينة” قد تحول إلى محاكمة علنية أثبتت براءة الشعارات من ممارسات أصحابها.

Exit mobile version