بقلم: عرفة عثمان

قرر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بعد ظهر اليوم الجمعة برئاسة رئيس المجلس بروفيسور كامل إدريس، دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية بُغية ضبط السوق والتحكم في سعر الصرف، على أن تتولى جهات الإختصاص في وزارتي المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي إنفاذ القرار.

يمكن قراءة هذا القرار باعتباره محاولة مباشرة من الدولة للتدخل في سوق حساس يرتبط بثلاثة ملفات متشابكة في السودان: أسعار الوقود، التضخم، وسعر الصرف.

و في ظل الارتفاع الحاد في أسعار المشتقات البترولية وندرتها احياناً بجانب تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، تبدو الحكومة وكأنها تسعى لاستخدام أداة “زيادة العرض” لكبح موجة الارتفاع في الأسعار. فدخول الدولة كمستورد وموزّع يعني عملياً أنها تتجه للتحكم في حلقة الاستيراد نفسها، وليس فقط تنظيم السوق من الخارج.

اقتصادياً، تستند هذه الخطوة إلى منطق بسيط مفاده أن نقص العرض أو هيمنة عدد محدود من المستوردين يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ومع اعتماد الاستيراد على الدولار، ينتقل الضغط مباشرة إلى سوق الصرف. ومن ثمّ تفترض الحكومة أن دخولها كمستورد كبير قد يحقق هدفين متزامنين: تخفيف الطلب على النقد الأجنبي، وزيادة المعروض من الوقود في السوق المحلي.

غير أن الإشكال الأساسي يكمن في أن هذه السياسة تُطبّق في بيئة اقتصادية شديدة التعقيد. فارتفاع أسعار الوقود في السودان لا يرتبط بعامل العرض فقط، بل يتصل أيضاً بعدة عوامل هيكلية، من بينها ضعف الإنتاج والصادرات المولدة للنقد الأجنبي، وتدهور قيمة الجنيه، واتساع نطاق السوق الموازي للعملة.

في هذا السياق، قد ينجح تدخل الدولة كمستورد كبير في تهدئة الأسعار مؤقتاً، في حال توفر التمويل والاستمرارية، لكنه لا يلامس جذور أزمة العملة أو التضخم.

كما تبرز نقطة حساسة تتمثل في أن توسع الدولة في الاستيراد المباشر قد يضاعف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، ما لم يكن هناك تدفق مستقر للإيرادات، سواء عبر الصادرات أو الدعم الخارجي. وهو ما يجعل أثر القرار مرهوناً بالمدى القصير أكثر من كونه حلاً هيكلياً.

وبعبارة أخرى، يمكن وصف القرار بأنه محاولة لإدارة أزمة عبر تدخل مباشر في جانب العرض، وليس معالجة للأسباب البنيوية للأزمة. ويبقى نجاحه مرتبطاً بقدرة الدولة على التمويل، وضبط سلاسل التوزيع، والحد من أي تشوهات في السوق أو ممارسات فساد، وهي عوامل حاسمة في تحديد نتائج مثل هذه السياسات.

Exit mobile version