نبض الحروف: عادلة عادل
في مشهد يختصر حجم المأساة التي يعيشها أبناء هذا الوطن، يجلس طلاب الشهادة السودانية الوافدون من ولايات دارفور لامتحاناتهم دون أن تتوفر لهم أبسط مقومات الدراسة. لا كتب، لا مذكرات، ولا حتى أوراق عمل يراجعون بها دروسهم. ومع ذلك، يتمسكون بحقهم في الجلوس للامتحان، وكأنهم يواجهون المستحيل بإرادة لا تُقهر.
هؤلاء الطلاب لم يأتوا من فراغ، بل من واقع مثقل بالمعاناة، مرّوا بظروف قاسية أجبرتهم على النزوح وحرمتهم من الاستقرار، ومع ذلك لم يتخلوا عن حلمهم في التعليم. كانوا حريصين على أن يصلوا إلى قاعات الامتحان، لكنهم اليوم يقفون أمام تحدٍ أكبر: كيف يمتحنون دون إعداد؟ وكيف يُطلب منهم التنافس في ظل غياب العدالة في الفرص؟
إن ما يحدث ليس مجرد تقصير، بل أزمة إنسانية وتعليمية تتطلب وقفة جادة من الجهات المختصة، والمنظمات، والمجتمع بأسره. فهؤلاء الطلاب لا يحتاجون إلى التعاطف بالكلمات فقط، بل إلى دعم حقيقي: إسناد أكاديمي، مواد تعليمية، حصص تقوية عاجلة، وبيئة تساعدهم على تجاوز ما فاتهم.
إن إنقاذ مستقبل هؤلاء ليس ترفًا، بل واجب وطني وأخلاقي. فالتعليم هو الأمل الأخير الذي يتمسكون به، وإذا خسرناه معهم، نخسر جيلًا كاملًا كان يمكن أن يكون لبنة في بناء هذا الوطن.
فلنرفع الصوت عاليًا: هؤلاء الطلاب يستحقون فرصة عادلة، يستحقون أن يُنصفوا، وأن يجدوا من يقف إلى جانبهم في هذه اللحظة الحرجة. فهل من مجيب؟
لكن المسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة فقط، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من الدولة ومؤسساتها التعليمية، ولا تنتهي عند المجتمع والمنظمات الطوعية وأصحاب المبادرات. فالمعالجة لا تحتمل التأجيل، لأن الزمن في مثل هذه الحالات ليس في صالح هؤلاء الطلاب الذين يخوضون معركة غير متكافئة.
إن توفير دروس تقوية عاجلة، وإتاحة نماذج امتحانات، وتوزيع أوراق عمل وملخصات، بل وحتى تنظيم جلسات مراجعة مكثفة، يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا في مسار هؤلاء الطلاب. كما أن دعمهم النفسي لا يقل أهمية عن الدعم الأكاديمي، فهم بحاجة إلى من يعيد إليهم الثقة ويخفف عنهم وطأة القلق والخوف.
وفي ظل هذه الظروف، تبرز الحاجة الملحة لتبني مبادرات شعبية وإعلامية تسلط الضوء على قضيتهم، وتدفع نحو تحريك الجهود الرسمية. فالإعلام ليس ناقلًا للخبر فقط، بل شريك في صناعة الوعي وتحفيز الفعل.
إن هؤلاء الطلاب ليسوا أرقامًا في كشوفات الامتحانات، بل قصص كفاح تستحق أن تُروى، وأحلام تنتظر من يحتضنها. فإما أن نكون عونًا لهم في هذه اللحظة الفاصلة، أو نتركهم يواجهون مصيرًا لا يليق بهم ولا بنا.
وفي الختام، تبقى الرسالة واضحة: لا تتركوا أبناء دارفور وحدهم في معركة التعليم. امنحوهم ما يستحقون من دعم، وكونوا جزءًا من إنقاذ مستقبلهم… فالتاريخ لا ينسى من وقف مع الحق، ولا يغفر لمن صمت.

