الحاسة السادسة: رشان اوشي
المشهد التالي يختزل مأساة وطن، وفي ذات الوقت يُبقي على جذوة الأمل فيه. جلس أربعة آلاف طالب لامتحان الشهادة السودانية بولاية نهر النيل، بعدما قطعوا رحلة شاقة وطويلة من إقليم دارفور؛ رحلة عبور قاسية عبر تضاريس الخوف، وممرات الفوضى، ومجاهيل المصير.
خرج هؤلاء الفتية والفتيات من مدن أنهكتها الحرب، ومن قرى تدمرت فيها تفاصيل الحياة اليومية، حاملين دفاترهم القليلة وأحلامهم الكبيرة، ومضوا في طريق لا يشبه طرق الطلاب، بل يشبه دروب النازحين. بعضهم تعثر قبل الوصول؛ أوقفته المليشيات على الطرقات، واحتجز آخرون في سجون متفرقة بشمال وجنوب دارفور، بينما اختفت طالبات صغيرات خطفن وهن في مقتبل العمر، يحملن أحلاما بسيطة لا تتجاوز مقاعد الدراسة وشهادة نهاية المرحلة الثانوية.
كان الطريق إلى الامتحان، في هذه الحالة، امتحانا آخر موازياً، أشد قسوة وأعلى كلفة. ومع ذلك، وصل من وصل.
وصلوا بوجوه شاحبة من الإرهاق، وعيون مثقلة بذكريات الطريق، لكنهم حين بلغوا الدبة ومدن ولايتي نهر النيل والشمالية، وجدوا ما لم يكن في الحسبان: وجدوا السودان الذي يشبههم، السودان الذي لم تفسده الحرب بعد. اصطف الأهالي في استقبالهم، لا كضيوف، بل كأبناء عادوا من غياب طويل. فُتحت البيوت قبل الأبواب، وقُدمت الوجبات البسيطة بكرم عفوي، وتحولت المساجد والبيوت إلى مرافئ آمنة لطلاب أنهكتهم الرحلة.
يروي الزميل الصحفي علي منصور أن بعض الطلاب لم يتمالكوا أنفسهم، فانهمرت دموعهم لحظة الوصول. لم تكن دموع خوف هذه المرة، بل دموع نجاة، ودهشة من هذا القدر من الاحتواء الإنساني في زمن تتراجع فيه القيم تحت وطأة السلاح.
هذه القصة، في جوهرها، ليست مجرد حكاية طلاب جلسوا لامتحان، بل مرآة لواقع مختل، صنعته مليشيا الدعم السريع،إن سعي هؤلاء الطلاب للجلوس لامتحاناتهم من مناطق سيطرة الجيش، بعد أن ضاقت بهم السبل في دارفور، يسلّط الضوء على عجز القوى المسيطرة هناك عن توفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات، ويكشف حجم الانهيار الذي طال البنية الاجتماعية والإنسانية في الإقليم.
لقد تحول إقليم دارفور، بفعل الحرب وتداخل الأجندات، إلى ساحة مفتوحة للاضطراب الأمني والاجتماعي، حيث تراجعت سلطة القانون، وتفاقمت معاناة السكان، وتزايدت حركة النزوح القسري، بعد استجلاب مقاتلين أجانب وتغيير ملامح الأرض والسكان. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر.
ومع ذلك، فإن ما حدث في نهر النيل والشمالية يقدم وجه آخر للسودان؛ وجها يقاوم الانكسار. تضامن شعبي عفوي يعيد التذكير بأن ما يجمع السودانيين أكبر مما يفرقهم، وأن روح التكافل لا تزال قادرة على ترميم ما تهدّم.
هؤلاء الطلاب، بإصرارهم على الجلوس للامتحان رغم كل شيء، يقدمون درسا بليغا في معنى الصمود. لم ينتظروا ظروف مثالية، ولم يؤجلوا أحلامهم إلى زمن أكثر أمنا، بل اختاروا المواجهة، ولو بأدوات بسيطة، مؤمنين بأن التعليم، في حد ذاته، شكل من أشكال المقاومة.
أما الأهالي الذين احتضنوهم، فقد كتبوا سطرا مضيئا في سجل هذه المرحلة القاتمة، وأكدوا أن السودان، رغم ما يعتريه من تمزقات، لا يزال قادرا على إنتاج مشاهد إنسانية تليق بتاريخه.
بين قسوة الطريق ودفء الاستقبال، تتشكل حكاية هؤلاء الطلاب؛ حكاية تختلط فيها الدموع بالرجاء، والخوف بالأمل. وربما، في هذه المسافة الفاصلة بين الألم والتضامن، تكمن الإجابة عن سؤال أكبر: كيف يمكن لوطن أنهكته الحرب أن يجد طريقه إلى التعافي؟
الإجابة، على الأرجح، تبدأ من هنا… من هؤلاء الصغار الذين تمسكوا بحقهم في المستقبل، ومن أولئك الذين فتحوا لهم الأبواب حين أغلقتها في وجوههم كل الطرق.
محبتي واحترامي

