بقلم/ محمد بابكر:
في رسالة مؤثرة من أسر طلاب دارفور الذين رافقوا أبناءهم إلى الولاية الشمالية نقلت الزميلة مريم الهندي ملامح ملحمة اجتماعية نادرة تصدرها واليا الشمالية وجنوب دارفور وقيادة المنطقة العسكرية إلى جانب المواطنين الذين شكّلوا خط الدفاع الإنساني الأول. كانت تلك الرسالة مدخلا صادقا لقراءة مشهد استثنائي تجاوز حدود الامتحان إلى فضاء الوطن.
في لحظة وطنية فارقة خرجت امتحانات الشهادة السودانية هذا العام من إطارها التعليمي الضيق لتتحول إلى اختبار شامل لقدرة الدولة والمجتمع على إدارة الأزمات.
كان مشهدا مركبا تتقاطع فيه الجغرافيا المضطربة مع إرادة الطلاب ويتجاور فيه الأداء المؤسسي مع الفعل المجتمعي في لوحة تعكس أفضل ما في السودان وتكشف أيضا مكامن ضعفه.
آلاف الطلاب والطالبات من ولاية جنوب دارفور من نيالا وكأس وبرام وعد الفرسان إلى نتيقة وأم دافوق ورهيد البردي مرورا بزالنجي والجنينة ووادي صالح اضطروا إلى مغادرة مناطقهم تحت ضغط الأوضاع الأمنية متجهين نحو ولايات أكثر استقرارا بحثا عن حقهم في الجلوس للامتحانات.
لم تكن تلك الرحلة انتقالا جغرافيا فحسب بل عبورا قاسيا نحو حق أساسي هو التعليم.
توزع هؤلاء الطلاب على عدة ولايات فيما استقبلت الولاية الشمالية ونهر النيل أعدادا كبيرة منهم في مشهد أعاد تعريف معنى الاستضافة الوطنية.
برزت الولاية الشمالية كنموذج لافت في حسن الاستجابة حيث تعاملت مع الحدث بعقلية إدارة أزمة متكاملة لا كمهمة روتينية.
وفّرت السكن ونظّمت الإعاشة ونسّقت الخدمات في استجابة تنفيذية سريعة و معتبرة.
وفي السياق ذاته لعب والي جنوب دارفور الأستاذ بشير مرسال حسب الله دورا محوريا في التنسيق والمتابعة مما أسهم في تقليل الفجوة بين الاحتياج والتنفيذ.
على المستوى الأمني واللوجستي جاء إسناد قيادة المنطقة العسكرية عاملا حاسما في تثبيت الاستقرار وتوفير بيئة آمنة للطلاب متجاوزا المفهوم التقليدي للدور العسكري نحو شراكة مجتمعية فاعلة.
غير أن العنصر الأكثر تأثيرا ظل هو المواطن.
في الولاية الشمالية ونهر النيل أعاد الناس تعريف التضامن عبر مبادرات مباشرة استضافة إطعام متابعة يومية وسهر على راحة الطلاب.
لم يكن هذا الحضور بديلا عن الدولة بقدر ما كان استجابة فطرية لسد فجوة طارئة لكنه في الوقت ذاته منح التجربة بعدها الإنساني العميق.
في مقابل هذا الحضور القوي يبرز غياب شبه كامل لمؤسسات كان يفترض أن تكون في قلب المشهد مثل وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية ديوان الزكاة وصندوق دعم الطلاب.
هذا الغياب شكّل فجوة مؤثرة في بنية الاستجابة.
بحكم اختصاصها تمثل هذه الجهات العمود الفقري لمنظومة الحماية الاجتماعية وكان متوقعا أن تقود جهود الإعاشة والدعم المباشر وأن تضع برامج عاجلة لاستيعاب الطلاب النازحين. لكن الواقع كشف أنها كانت خارج معادلة الفعل مما نقل العبء بالكامل إلى الولايات والمجتمع.
يعكس هذا الغياب خللا وضعفا في التنسيق وربما قصورا في استشعار حجم الحدث.
كما يطرح تساؤلات جدية حول فاعلية هذه المؤسسات خارج الأطر النظرية ومدى قدرتها على التحرك في لحظات الطوارئ.
رغم التحديات أفرزت التجربة جملة من الإيجابيات المهمة
حيث أكدت أن المجتمع السوداني لا يزال يمتلك مخزونا عاليا من القيم التضامنية.
أبرزت قدرة بعض الولايات على إدارة الأزمات بكفاءة عندما تتوفر الإرادة.
قدمت نموذجا عمليا لتكامل الأدوار بين المدني والعسكري.
أسقطت خطاب الانقسام وأثبتت أن التعليم يظل مساحة جامعة.
في المقابل لا يمكن تجاهل عدد من السلبيات
غياب مؤسسات مركزية ذات دور حيوي في الدعم الاجتماعي.
ضعف التنسيق بين المركز والولايات في إدارة ملف بهذا الحجم.
الاعتماد المفرط على المبادرات الشعبية بما يهدد الاستدامة.
غياب خطط واضحة لمرحلة ما بعد الامتحانات خاصة فيما يتعلق بترحيل الطلاب وإعادتهم الي مناطقهم.
إذا كان انعقاد الامتحانات يمثل نجاحا مرحليا فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعدها، كيف ستتعامل الدولة مع عودة هؤلاء الطلاب؟ من سيتكفل بإعاشتهم حتى يصلوا إلى أسرهم؟
وهل توجد خطة واضحة تضمن عدم تعثر مسارهم التعليمي؟
هذه الأسئلة لا يمكن تركها للمبادرات الفردية بل تتطلب تدخلا مؤسسيا منسقا يعيد توزيع الأدوار بشكل متوازن بين الدولة والمجتمع.
ما جرى في امتحانات الشهادة السودانية هذا العام هو قصة نجاح جزئي وجرس إنذار في الوقت ذاته.
نجاح لأن المجتمع والولايات أثبتوا قدرتهم على الفعل وإنذار لأن غياب بعض المؤسسات كشف هشاشة في بنية الاستجابة.
فالدولة لا تقاس فقط بقدرة شعبها على العطاء بل بقدرة مؤسساتها على الحضور حين يكون الغياب مكلفا.
وبين وهج المبادرات الشعبية وظلال الغياب المؤسسي
يبقى السؤال مفتوحا: هل نتعلم من هذه التجربة لنؤسس لاستجابة أكثر توازنا في المستقبل أم نكتفي بالاحتفاء بما حدث ونتجاهل ما لم يحدث؟

